هندسة المستقبل: المشاريع العملاقة في أبوظبي

 

تقف أبوظبي شاهدة على مزيج فريد من الحداثة والتراث، مدينة ترتفع فيها ناطحات السحاب اللامعة إلى جانب الواجهات المائية الهادئة والمعالم الحضارية البارزة. تشتهر عاصمة الإمارات بعمارتها الطموحة، ومشاريع الجزر الاستثنائية، إذ تتألف المدينة من أكثر من مئتي جزيرة طبيعية واصطناعية، فضلاً عن البنية التحتية الواسعة التي تربط أحياءها الراقية.

تواصل أبوظبي توسيع نفوذها عبر جملة من المشاريع العملاقة القادمة، وكلها تسعى إلى مواصلة تحوّل المدينة نحو أن تصبح مركز عالمي للابتكار والثقافة والرقي.

تابع القراءة لاستعراض أبرز المشاريع العملاقة التي تعيد رسم ملامح أبوظبي.

 

 

متحف جوجنهايم أبوظبي

يمثل هذا الصرح عند اكتماله أكبر فروع متاحف جوجنهايم في العالم. يقع هذا المشروع العملاق في جزيرة السعديات، ويمتد على مساحة ثلاثين ألف متر مربع، ويأمل أن يكون جسر للتفاهم الدولي. يجاور المشروع صرح ثقافي آخر لا يقل أهمية، وهو متحف اللوفر أبوظبي، الذي يُعزز حضور هذا الحي باعتباره وجهة ثقافية استثنائية.

تعود فكرة المشروع إلى عام 2006، حين أُبرمت اتفاقية بين حكومة أبوظبي ومؤسسة سولومون آر. جوجنهايم في مدينة نيويورك، ومن المقرر افتتاحه في عام 2026، إذ سيضم ما يقارب ثلاثين قاعة عرض تحتضن مجموعات متعددة التخصصات من شتى أنحاء العالم.

يتربع المشروع على شبه جزيرة في الطرف الغربي من جزيرة السعديات، تحيط به مياه الخليج من ثلاث جهات، مما يجعل موقعه من أكثر المواقع تميز عن أي متحف في العالم. وعلى الرغم مما اعترض المشروع من تأخيرات منذ إعلانه، فإن أعمال البناء باتت في مراحل متقدمة. وسيقوم المتحف في نهاية المطاف بدور مركَّز لتذوق الفن والتقنية، إضافة إلى احتضانه مرفق تعليمي للأطفال، ومحفوظات، ومكتبة، ومركز للبحث العلمي، ومختبر لترميم الأعمال الفنية، مما يجعله أحد أهم المشاريع العملاقة قيد الإنشاء في العاصمة الإماراتية.

 

جزيرة رمحان

تقع جزيرة رمحان على الجانب الشمالي من المدينة، بالقرب من جزيرة الجبيل، وهي لا تزال إلى حد بعيد أرض بكر، غير أن مستقبل واعد ينتظرها، يتجسد في مشروع تطوير ضخم تبلغ قيمته ثلاثة مليارات و خمسمئة مليون دولار، تُنفذه شركة "إيغل هيلز" المملوكة لمحمد العبار، مؤسس مجموعة إعمار.

يشمل المشروع العملاق ألف وثلاثمئة وخمسين فيلا مستقلة، وألف وحدة سكنية، وفندق، ومرسى قادر على استيعاب مئة وسبعين سفينة، إلى جانب منظومة متكاملة من الخدمات والمرافق الحياتية. وستحتل الفلل الفاخرة المطلة على الشاطئ مكانة بارزة في المشروع، فيما سيوفر المرسى الراقي خدمات الرسو لعدد من الشخصيات في المجتمع. كما سيُضفي كورنيش خاص وتشكيلة مختارة من مطاعم المأكولات الفاخرة مزيد من الرقي والتألق على المنطقة.

يمتد المشروع على مساحة أربعة آلاف متر مربع، وقد انطلقت أعمال البناء عام 2023، ومن المتوقع اكتمال تسليمه في منتصف عام 2027. وتتراوح مساحات الفلل بين نحو 3000 و 7500 قدم مربع، وتتضمن في معظمها تصاميم تتراوح بين 3 و 7 غرف. وتُشكّل الحياة الراقية والاستدامة ركيزتين أساسيتين للمشروع، الذي يتبنى تصاميم منسجمة مع الطبيعة، حيث يندمج مع أشجار القرم والبحيرات الطبيعية في المنطقة، مما يحمي المنظومة البيئية البحرية. علاوة على ذلك، تنتشر المرافق الصحية والترفيهية في أرجاء المجمع، إلى جانب الحدائق ومسارات ركوب الدراجات.

 

جزيرة الألعاب الإلكترونية

أعلنت شركة "ترو غيمرز" عن خططها لإنشاء جزيرة متخصصة بالألعاب الإلكترونية في شاطئ الراحة، غير أنه لم يصدر أي إعلان رسمي حكومي حتى الآن يتعلق باستملاك الأراضي أو تصاريح البناء.

يقع المشروع المقترح بالقرب من جزيرة ياس الشهيرة ومطار زايد الدولي، وسيضم فندق فاخر للألعاب، ومرافق تدريبية لمن يرغب في بناء مسيرة مهنية في مجال الألعاب، ومعسكرات تدريبية لتطوير مهارات اللاعبين. تبلغ تكلفة المشروع نحو مئتين وثمانين مليون دولار، وقد ترتفع إلى مليار دولار بحسب النطاق النهائي، كما يشمل استوديوهات لإنتاج المحتوى ووحدات سكنية مصممة خصيصاً للمحترفين، بما في ذلك أجهزة حاسوب للألعاب في كل غرفة.

حتى أواخر عام 2025، لم تنطلق أعمال البناء بعد، إلا أن الشركة أعلنت أن مزيد من التفاصيل ستُكشف في المستقبل القريب.

 

متحف زايد الوطني

يقع متحف زايد الوطني في قلب المنطقة الثقافية بجزيرة السعديات، ويُمثل احتفاء حقيقي بدولة الإمارات العربية المتحدة. يأخذ المتحف زواره في رحلة عبر ثلاثمئة ألف سنة من تاريخ الإنسانية من خلال سرد أصيل، فيما يُسلط الضوء على مبادئ الشيخ زايد وموروث الشعب الإماراتي وعاداته وتقاليده.

صُمّم المتحف لتخليد ذكرى المؤسس والرئيس الأول للدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ومن المقرر أن يكون درّة الحي الثقافي في السعديات، إذ يحتضن تاريخ الدولة وحضارتها، إلى جانب الإنجازات الاقتصادية المذهلة التي شهدتها في تاريخها الحديث.

كان المتحف المقرر افتتاحه في نهاية عام 2025 يدعو الباحثين من حول العالم للتقدم للحصول على دعم مالي، ويتضمن برنامج شامل للتواصل مع المجتمع يُتيح للمواطنين والمقيمين استكشاف موروث الدولة.

 

يمتد المتحف على مساحة 66 ألف متر مربع، وهو من تصميم المعماري الحائز على جوائز نورمان فوستر. يتألف من خمسة أبراج مستوحاة من أجنحة الصقر، ذلك الطائر المميز في الثقافة الإماراتية، وترتفع هذه الأبراج بين 83 و 123 متر في سماء السعديات. بست قاعات عرض ومناظر خلابة للجزيرة المحيطة، يُعدّ متحف زايد الوطني من أكثر المشاريع العملاقة ترقباً في المدينة.

 

مشروع توسعة مطار زايد الدولي

يُعدّ مطار زايد الدولي، المعروف سابقاً بمطار أبوظبي الدولي، من أسرع المراكز الجوية نمواً في العالم، إذ تتوفر فيه رحلات مباشرة إلى جميع قارات العالم. وعلى الرغم من أن المطار بات يعمل بكامل طاقته، فإنه خضع منذ عام 2005 لمشروع توسعة ضخم يواكب النمو الاقتصادي المتسارع للدولة.

يستوعب المطار حالياً ما يقارب ثلاثين مليون مسافر سنوياً، لكن التوسع المتسارع للمدينة والدولة برمّتها استوجب تطوير شامل. ويُأمل أن يستوعب المطار بحلول عام 2030 أكثر من 45 مليون مسافر سنوياً، مع تحديث المرافق الحالية والاستعدادات للاحتياجات المستقبلية. وعلى المدى البعيد، يُطمح إلى رفع الطاقة الاستيعابية إلى 80 مليون مسافر سنوياً، لتتكامل مع الطاقة المرتقبة البالغة 250 مليون مسافر لمطار آل مكتوم في دبي.

أُضيف مبنى ركاب جديد ضخم هو المبنى الأول، يخدم أكثر من مئة وجهة حول العالم، فيما ستُوظَّف المباني الأولى والثانية والثالثة القديمة كمبانٍ احتياطية في حالات الطوارئ. ويشمل المشروع تحسينات على البنية التحتية المحيطة، منها: تطوير شبكة مياه الشرب، وإنشاء مواقف جديدة للطائرات، وطرق برية ومواقف سيارات، وتطوير مبنى تموين الرحلات. كما أُقيم مرفق جديد لحماية الحدود الجمركية للرحلات المتجهة إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى توسعة محطة الطاقة وتحديث السياج المحيط بالمطار.

 

مساكن اللوفر أبوظبي

وإن لم تكن مساكن اللوفر أبوظبي مشروع عملاق بالمعنى الحرفي للكلمة مقارنةً بغيرها من المشاريع الأكبر حجماً، إلا أنها تستحق المكانة لما تحمله من رمزية باعتبارها مشروع سكني يحمل اسم صرح ثقافي عالمي بهذه الأهمية.

تقع المساكن في جزيرة السعديات على مقربة من متحف جوجنهايم أبوظبي، وتُمثل واحدة من أكثر المشاريع السكنية المنتظرة في المدينة. تنسجم هذه المساكن الراقية مع محيطها الطبيعي بفضل المعايير البيئية التي تحكم البناء في المنطقة، وتعتمد في تصميمها على مواد مُختارة بشكل مسؤول.

من المتوقع أن تستقطب هذه المساكن الفاخرة من يُقدّرون الثقافة ويحترمونها، إذ تضم سينما سكنية بمستوى 5 نجوم، ومسبح ضخم، ومرافق صحية وترفيهية متكاملة. فضلاً عن موقعها المتميز على بُعد خطوات من أبرز معالم الحي الثقافي في السعديات.

 

تشهد أبوظبي طفرة اقتصادية غير مسبوقة. ومع إضافة مشاريع عملاقة عديدة في المستقبل القريب، تبدو المدينة ماضية في مسيرة نموها المتسارعة. ويرى بعض المحللين أن ما نشهده اليوم ليس إلا البداية، مما يجعل المستقبل مثيراً للترقب لهذه المدينة وسكانها.