حديقة القرم في جزيرة الجبيل: الأراضي الخصبة في أبوظبي

 

غالباً ما يُساء تقدير جمالية غابات القُرم، إذ تبدو من بعيد داكنة وكثيفة وعصيّة على الاختراق. لكن عند الاقتراب منها، تراها كواحدة من أكثر البيئات الطبيعية سخاءً على وجه الأرض. فهي حالة فريدة بين اليابسة والبحر، لا تنتمي بالكامل إلى أيّ منهما، وهذا ما يمنحها جمالها وتفردها. فهي تؤوي الكائنات، وتُنقّي المياه، وتمتص التأثيرات السلبية، وتحمي الشواطئ، وتُبقي الساحل متماسك.

تجذب حديقة القرم في جزيرة الجبيل المسافرين الذين يميلون بالفطرة إلى الاستكشاف، إذ تقدم تجربة متوازنة وهادئة في آنٍ واحد. وكأنها عمل فني مُعتنى به بعناية، حيث تمتد الممرات الخشبية المرتفعة بين أشجار القرم، وتتحرك مياه المدّ والجزر برفق، وتعيش الكائنات البرية حياتها دون إزعاج، على مقربة من الزائر. وما يدفع الناس للعودة إلى هذه البيئة هو تنوعها الحيوي الغني وجاذبيتها الكبيرة لعشاق الطبيعة، وذلك الشعور العميق بالسكينة الذي يستقر في النفس بعد نزهة هادئة على الممرات الخشبية.

 

 

روعة طبيعية وسط أشجار القرم

تُعد حديقة القرم في جزيرة الجبيل واحة طبيعية هادئة تحتضن تنوع حيوي غني، حيث يمكن للزوار مشاهدة حركة المدّ والجزر اللطيفة في مياه الخليج، في مشهد ساحر يتشكل بهدوء من خلال المياه. تقع الحديقة بين جزيرتي ياس والسعديات في إمارة أبوظبي، وعلى مقربة من المدينة، لكنها تبدو كأنها عالم مختلف تماماً.

تمتد الحديقة على مساحة تقارب 19 كيلومتر مربع، ما يجعلها واحدة من أبرز المعالم الطبيعية في أبوظبي، وجزء أساسي من منظومة غابات القرم في الإمارة. ويقود ممر خشبي متعرج بطول كيلومترين الزوار فوق المياه الضحلة الصافية، مروراً بأشجار القرم ذات الأوراق الفضية، وهي من النباتات الأصلية لسواحل دولة الإمارات.

تتسم هذه البيئة بحركتي المد والجزر اللتان يحدثان مرتين يومياً، حيث تعكس البحيرات الفيروزية لون السماء عند ارتفاع المياه، بينما تظهر جذور القرم للتنفس عند انخفاضها. وتعجّ المنطقة بالحياة: طائر البلشون يقف مترقباً عند حافة الممر، وأسماك صغيرة تسبح في المياه الصافية، وسرطانات دقيقة تتحرك بين الجذور المتشابكة.

وعلى امتداد الطريق، يمكن للزائر التوقف عند منصات مشاهدة متعددة، منها منصة تطل على مجرى مائي هادئ، ومنصة عائمة تتيح رؤية الحياة البحرية من خلال شبكات شفافة، إضافة إلى برج مراقبة بسيط يرتفع فوق الأشجار. كما تنتشر لوحات إرشادية تقدم معلومات مبسطة حول التوازن البيئي الدقيق الذي يحافظ على هذه البيئة الفريدة.

 

جهود الحماية والاستدامة

خلال السنوات الأخيرة، عززت دولة الإمارات العربية المتحدة التزامها البيئي، وأطلقت مبادرات طموحة، من أبرزها زراعة مئة مليون شجرة قرم بحلول عام 2030، إدراكاً لأهمية هذه الغابات الساحلية بوصفها “رئات خضراء” تسهم في الوصول إلى الحياد الكربوني.

وفي هذا السياق، تبنّت جزيرة الجبيل مبادرة لزراعة مليون شتلة قرم جديدة، تم بالفعل غرس أكثر من نصفها مع بداية عام 2023.

ولا يقتصر دور هذه الأشجار على تجميل المشهد الطبيعي، بل يمتد ليشمل مواجهة تغيّر المناخ وتعزيز التنوع الحيوي. فهي تُعد من أكثر البيئات كفاءة في امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون، بل تتفوق في ذلك على الغابات الاستوائية المطيرة. كما تعمل كحاجز طبيعي يحمي السواحل من التآكل والعواصف، ويخفف من تأثير حركة المدّ والجزر.

وبين جذورها المتشابكة، تنمو بيئات حاضنة للكائنات البحرية، ما يدعم الثروة السمكية ويؤمّن الطعام للطيور المهاجرة. وتُشكل هذه الوظائف مجتمعة خدمات بيئية لا يمكن الاستغناء عنها، من حماية المجتمعات الساحلية وحتى دعم الأمن الغذائي.

وقد انعكست هذه الأهمية البيئية على تصميم الحديقة بالكامل، حيث تم تقليل التأثير البيئي إلى أدنى حد، مع توفير تجربة هادئة للزوار. فالممرات الخشبية مرتفعة ومصنوعة من مواد معالجة تنسجم مع الطبيعة، بما يضمن استمرار تدفق المياه بشكل طبيعي. وحتى خلال مرحلة الإنشاء، تم تدريب العاملين على مراعاة حساسية البيئة، واستخدام أساليب هندسية صديقة للطبيعة للحد من أي تأثير سلبي.

أما اليوم، فتُدار الحديقة وفق ضوابط دقيقة، تشمل تحديد أعداد الزوار وفرض قواعد واضحة، بهدف الحفاظ على هدوء المكان، وصون الحياة البرية، وضمان تجربة متوازنة للجميع.

 

إشراك الزوار في حماية البيئة

لا يقتصر دور الزوار هنا على المراقبة فقط، بل يتم دعوتهم ليكونوا جزء من جهود حماية البيئة. فمن خلال برامج تعليمية ترفيهية وأنشطة تفاعلية، يمكن للزائر أن يزرع شتلات القرم بيديه أو يشارك في حملات تنظيف للبيئات الطبيعية بإشراف مختصين، لخلق ارتباط حقيقي مع الطبيعة.

الوقوف في الطين حتى الركبتين لغرس شتلة صغيرة يمنح الزائر شعور عميق بالعطاء، فهو فعل بسيط لكنه يمتد أثره لعقود. كما تسهم اللوحات التعليمية والجولات الإرشادية في توضيح دور هذه الأشجار في الحد من تغيّر المناخ وتعزيز التنوع الحيوي. إنها تجربة تعليمية بقدر ما هي ترفيهية، حيث تغادر العائلات ومعها أطفال باتوا يدركون كيف يرتبط كائن صغير كسرطان البحر أو بذرة القرم بشبكة الحياة الكبرى.

وقد حظيت هذه الجهود باهتمام واسع، إذ استقطبت الحديقة شخصيات دولية بارزة ورواد في مجال البيئة، من بينهم الأمير ويليام، أمير ويلز، الذي زار الحديقة خلال زيارة رسمية. كما تعكس الشراكات مع شركات مثل شركة الاتحاد للطيران وبنك الإمارات دبي الوطني أهمية هذا المشروع في دعم التوجه نحو مستقبل أكثر استدامة.

 

الأهمية التاريخية والثقافية

قبل أن يظهر مفهوم السياحة البيئية بسنوات طويلة، كانت غابات القرم في هذه المنطقة جزء أصيل من ثقافة دولة الإمارات. لقد لعبت دور مهم في حماية سواحل الخليج لقرون، حيث شكلت حاجز طبيعي أمام تقلبات البحر، ومصدر للحياة في بيئة صحراوية قاسية.

كانت هذه الأراضي الرطبة تُعد الغابات الساحلية الوحيدة التي تربط بين اليابسة والبحر في الإمارات. وقد أدرك الصيادون منذ زمن بعيد أن جذور القرم المتشابكة تُشكل بيئة مثالية لتكاثر الأسماك، التي ستملأ شباكهم لاحقاً. كما كان غواصو اللؤلؤ يستريحون في ظلال هذه الأشجار بعد رحلاتهم البحرية الشاقة.

ويحمل تصميم الحديقة اليوم إشارات واضحة إلى هذا الإرث، حيث تستلهم بعض عناصرها من الممارسات التقليدية. فهناك مرافق مستوحاة من طرق جمع الملح القديمة، تُظهر كيف كان السكان يتفاعلون مع حركة المدّ والجزر، إضافة إلى نقاط تتيح للزوار ملامسة مياه البحر، في استحضار لممارسات قديمة كصيد السرطانات أو الأسماك يدوياً. وبهذه التفاصيل، يلتقي الماضي بالحاضر، وتنبض الحديقة بروح المكان وثقافته.

 

وجهة هادئة بطابع خاص

ليست حديقة القرم في جزيرة الجبيل وجهة للسياحة الجماعية، بل اختارت لنفسها طابع خاص يركز على الجودة والهدف. فهي تجربة منتقاة بعناية، حيث تُحدد أعداد الزوار لضمان الهدوء والحفاظ على البيئة. ومنذ افتتاحها عام 2020، أصبحت واحدة من أبرز الوجهات لعشاق الطبيعة، مستقطبة أعداد كبيرة من الزوار.

هنا تُقاس الفخامة بتجربة طبيعية راقية وبسيطة في آن واحد. حيث يمكنك تجربة جلسات اليوغا والتأمل عند شروق الشمس، حيث يمكن للزوار استعادة توازنهم وسط أحضان الطبيعة. و للباحثين عن المغامرة، تتوفر جولات بقوارب التجديف بإشراف مرشدين، تنطلق مع أول ضوء أو عند الغروب، حيث تنساب القوارب بهدوء عبر الممرات المائية الخضراء.

حتى الأنشطة الرياضية تأخذ طابع مختلف، مع حصص لياقة تُقام في مواقع تطل على غابات القرم، ما يضيف بُعد جديد للتجربة. وكل نشاط داخل الحديقة صُمم ليعزز العلاقة بين الإنسان والبيئة، ويمنح الزائر تجربة عميقة تتجاوز مجرد الزيارة العابرة.