وكالة الإمارات للفضاء ورؤية أبوظبي الطموحة

 

لطالما كان الفضاء الحدود الأخيرة التي لم تكتشفها البشرية بالكامل، وعالماً لا يزال يحتفظ بالكثير من الغموض. ففي مجرتنا وحدها، درب التبانة، يُقدَّر عدد النجوم بما يتراوح بين 100 و 400 مليار نجم، تمتد عبر مساحة يبلغ قطرها نحو 100 ألف سنة ضوئية، أي ما يعادل قرابة 600 كوادريليون ميل وفق وحدات القياس الأرضية.

وليس مستغرباً، في ظل هذا الاتساع الهائل، أن تتجه أنظار دول العالم نحو الفضاء، باعتباره مجالاً قد يخفي إجابات عن بعض أعمق الأسئلة التي شغلت البشرية عبر التاريخ. والإمارات العربية المتحدة ليست استثناءً من ذلك. ففي عام 2014، أنشأت الحكومة وكالة الإمارات للفضاء بهدف قيادة المبادرات الوطنية في قطاع الفضاء، وتعزيز التعاون الدولي، وترسيخ مكانة الدولة كلاعب رئيسي في قطاع الفضاء العالمي.

في هذا المقال، نستعرض أبرز المعلومات التي تحتاج إلى معرفتها عن وكالة الإمارات للفضاء، وطموحات الدولة في مجال استكشاف الفضاء.

 

 

حكاية بدأت من بين النجوم

وكالة الإمارات للفضاء جهة اتحادية عامة مستقلة، تتمتع بالصلاحيات القانونية اللازمة لتحقيق أهدافها واختصاصاتها. وتتمثل رسالتها في مواجهة التحديات الوطنية وتعزيز تنافسية الدولة من خلال المهام الفضائية، إلى جانب توفير بيئة تشريعية داعمة للقطاع.

وتسعى الإمارات إلى توظيف قطاع الفضاء كإحدى أدوات القوة الناعمة، وترسيخ مكانتها كدولة مؤثرة في هذا المجال، وهذا بدوره سينعكس إيجاباً على قطاعات حيوية أخرى في الاقتصاد الوطني.

وتعمل الوكالة وفق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، من أبرزها استقطاب الكفاءات المتخصصة، ورفع كفاءة الأداء في مختلف القطاعات الحكومية، وتهيئة بيئة تنظيمية جاذبة للأعمال والاستثمارات. كما تساهم بدور في تطوير القدرات الوطنية في مجال الفضاء، ونقل المعارف والخبرات المكتسبة بما يسهم في الارتقاء بمستويات الكفاءة والمعايير في القطاع الخاص.

إلى جانب ذلك، تتولى الوكالة مسؤولية الإشراف على الإطار التشريعي المنظم لقطاع الفضاء، وتسعى إلى بناء منظومة دولية تتيح تبادل المعرفة والخبرات. ويظل نجاح هذا الجانب مرتبطاً بشبكة التحالفات والشراكات السياسية الدولية.

وفي إطار توجه الإمارات خلال السنوات الأخيرة نحو تنويع اقتصادها، ضخت وكالة الإمارات للفضاء 3 مليارات درهم من خلال الصندوق الوطني للفضاء، بهدف دعم البرامج والمشاريع النوعية، وبناء القدرات الوطنية، وتطوير البنية التحتية اللازمة لاستكشاف الفضاء.

 

مشاريع ومهام فضائية

بوصفها جهة حكومية حديثة نسبياً، تعمل وكالة الإمارات للفضاء حالياً على تطوير خارطة طريق للعلوم والتكنولوجيا والابتكار، بهدف ترسيخ مكانة الدولة كشريك استراتيجي في مهمات الفضاء الدولية المشتركة مستقبلاً.

وقد حددت الوكالة عدد من المجالات ذات الأولوية للدعم والتمويل خلال السنوات المقبلة، من بينها تعزيز مشاركة القطاع العام وإسهامه في الاستراتيجيات الوطنية، والتعاون مع الموظفين لتطوير أفكارهم، والاستفادة من الأفكار المبتكرة، وتوسيع مصادر الابتكار.

كما تقود الوكالة مشروعين بارزين من شأنهما تعزيز حضور الإمارات على الساحة الدولية في قطاع الفضاء، أحدهما قيد التنفيذ والآخر في طور الإعداد.

 

مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات

من المقرر إطلاق مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات في مارس 2028، في مشروع طموح يهدف إلى استكشاف ودراسة عدد من الكويكبات الواقعة ضمن الحزام الرئيسي للكويكبات.

وستستخدم المهمة المركبة الفضائية «MBR Explorer»، التي سُمّيت تيمناً بالشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لتنفيذ سلسلة من التحليقات بالقرب من سبعة كويكبات في الحزام الرئيسي، بهدف رصدها ودراستها.

ومن المنتظر أن توفر المهمة بيانات علمية بالغة الأهمية تساعد وكالة الإمارات للفضاء على توسيع فهمها للفضاء والأجرام السماوية. ومن المتوقع أن تمتد المهمة على مدار سبع سنوات، تقطع خلالها المركبة نحو 5 مليارات كيلومتر، مستفيدة من مناورات الدفع بالجاذبية حول كواكب الزهرة والمريخ والأرض.

 

مهمة الإمارات لاستكشاف المريخ

أما مهمة الإمارات لاستكشاف المريخ، فهي واحدة من أبرز المشاريع الفضائية التي تنفذها الدولة، وتهدف إلى تقديم صورة شاملة عن مناخ الكوكب الأحمر، بما يساعد العلماء والباحثين على فهم تطور الغلاف الجوي للمريخ بصورة أفضل.

وتوفر المهمة للباحثين رؤى جديدة حول ماضي كوكب الأرض ومستقبله، كما قد تسهم في توسيع فهمنا لإمكانية وجود حياة على المريخ، فضلاً عن تقديم معلومات يمكن أن تساعد في دراسة الكواكب البعيدة.

وتساعد المهمة العلماء على فهم أسباب فقدان المريخ لطبقاته العليا من الغلاف الجوي، إضافة إلى دراسة التغيرات التي تطرأ على غلافه الجوي يومياً وعبر الفصول المختلفة، إلى جانب مجموعة أخرى من الأهداف العلمية.

وشكلت هذه المهمة محطة مفصلية في مسيرة الإمارات في مجال استكشاف الفضاء. ففي 9 فبراير 2021، أصبحت الإمارات خامس دولة في العالم تصل إلى المريخ، وثاني دولة تنجح في دخول مدار الكوكب من المحاولة الأولى، وهو إنجاز لافت بالنسبة إلى وكالة لم يمضِ على تأسيسها آنذاك سوى سبع سنوات.

 

مبادرات فضائية أخرى

مشروع «سِرب» اسم المشروع يطلق على مجموعة من الطيور، وهو مبادرة لإنشاء كوكبة من الأقمار الاصطناعية مخصصة لتعزيز عمليات رصد البيئة واستخدامات الأراضي.

وستتمكن هذه الأقمار من معالجة وتحليل صور رادارية معقدة للتكوينات الأرضية، بما يدعم مجموعة واسعة من التطبيقات العلمية والمدنية والتجارية. ومن المتوقع، على المدى البعيد، أن يسهم المشروع في تمكين الشركات العاملة في الإمارات من إنشاء سلسلة إمداد محلية متخصصة في قطاع الفضاء وتطويرها والحفاظ عليها.

أما مشروع «813»، فيعكس الدور الريادي للإمارات في أول مهمة فضائية عربية تعاونية على مستوى المنطقة. ويحمل المشروع اسماً مستوحى من عام تأسيس بيت الحكمة في بغداد، المؤسسة التي اشتهرت بدورها في تطوير البحث العلمي والفكر والمعرفة.

ويهدف المشروع إلى تشجيع الدول العربية على تطوير علوم وتكنولوجيا الفضاء، وتمكين العلماء من تعزيز فهمهم للقضايا البيئية العالمية، وفي مقدمتها تغير المناخ، من خلال مهمة مخصصة لرصد الأرض.

وسيُجهَّز القمر الاصطناعي بتقنيات متقدمة، من بينها جهاز التصوير فائق الطيف، المصمم لجمع بيانات عالية الدقة ومراقبة عناصر مختلفة مثل الغطاء النباتي، والمسطحات المائية، واستخدامات الأراضي.

 

منظومة دعم متكاملة للقطاع

يمثل برنامج «المناطق الاقتصادية للفضاء» الذي أطلقته وكالة الإمارات للفضاء مبادرة متكاملة تهدف إلى تأسيس وتنمية منظومة من الشركات العاملة في الإمارات والداعمة لقطاع استكشاف الفضاء.

ويتمثل الهدف في بناء تجمع اقتصادي مستدام يعزز التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص، ويدفع عجلة الابتكار، ويوظف التقنيات المتخصصة في الفضاء ضمن مشاريع وتطبيقات تجارية.

كما صُممت المناطق الاقتصادية للفضاء لتلبية احتياجات مختلف الشركات العاملة في القطاع، بدءاً من الشركات الناشئة وصولاً إلى الشركات الراسخة، إلى جانب جمع الشركات الصغيرة والمتوسطة ضمن شبكة موحدة تشجع على التعاون وتبادل المعلومات والخبرات.

وستتيح المبادرة كذلك الوصول إلى المختبرات والمرافق المتخصصة في قطاع الفضاء، إلى جانب بوابة موحدة توفر خدمات الإرشاد والتوجيه، وتتيح الوصول إلى الفرص ذات الصلة بالقطاع.

 

طموح يتجاوز حدود الأرض

يمثل إنشاء وكالة وطنية للفضاء محطة مهمة في مساعي الإمارات لترسيخ حضورها كدولة مهمة في قطاع الفضاء. ورغم أن دولاً أخرى تمتلك تاريخاً أطول وخبرة أوسع في هذا المجال، فإن الطموح والرؤية اللذان أظهرتهما الإمارات جديران بالتقدير.

وبعد أن صنعت الإمارات التاريخ بنجاحها في الوصول إلى مدار المريخ عام 2021، تبدو التوقعات مرتفعة بشأن ما يمكن أن تقدمه الدولة مستقبلاً لقطاع استكشاف الفضاء. ومع استمرارها في تطوير قدراتها العلمية والتقنية وتوسيع شراكاتها الدولية، يبدو أن قصة الإمارات مع الفضاء لا تزال في بدايتها.