جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي: تحفة معمارية تجسد الروحانية والهندسة الإبداعية

 

يتجسد جمال جامع الشيخ زايد الكبير في العاصمة أبوظبي في أدق التفاصيل، أبرزها عندما يلتقي الضوء الطبيعي مع حجارة المسجد، فالرخام الأبيض الذي اختير لارتباطه بالنقاء والسلام، يضفي على المبنى جواً من السكينة قبل أن تتجه الأنظار إلى باقي التفاصيل، منها تناغم القباب والمآذن، وأحواض المياه الزرقاء، والزخارف النباتية المنحوتة في الحجر، والخط العربي الذي يمنح التصميم الداخلي طابعه الروحاني. يبدو كل سطح وكأنه مصمم لغاية محددة، محولاً العمارة إلى تعبير عن الإيمان والحرفية والهدوء.

في أرجاء الجامع، يتجلى التصميم الإسلامي بشكل لافت وعميق خاصةً في القباب، بينما تجمع المآذن بين أشكال مستوحاة من عصور معمارية إسلامية متعددة. هذا التداخل بين التقاليد يمنح جامع الشيخ زايد الكبير حضوره الدائم كمعلم حديث متجذر في التراث والروحانية.

 

 

التأثيرات والإلهام

يستمد جامع الشيخ زايد الكبير قوته المعمارية من عدة تقاليد إسلامية، حيث تُعد قبابه الـ 82 من أبرز تجليات هذا التأثير المتنوع. استُلهم تصميم القباب من الطرازين المغربي والمغولي، مما يضفي على الجامع إيقاعاً بصرياً مميزاً. يبلغ قطر أكبر قبة، الواقعة فوق قاعة الصلاة الرئيسية، حوالي 32.6 متراً، وترتفع إلى 84 متراً. تُكسى القباب بالرخام الأبيض، وتتزين بتيجان بصلية الشكل وزخارف هلالية الشكل مُرصعة بالفسيفساء الذهبية الزجاجية.

ترتفع المآذن الأربع إلى حوالي 107 أمتار. يجمع تصميمها بين طبقات مربعة وثمانية الأضلاع ودائرية، مما يعكس مختلف العصور المعمارية الإسلامية. كلمة "مئذنة" مشتقة من الكلمة العربية المرادفة "منارة"، التي تعني الضوء أو المنارة، وهو أصل مناسب للمباني التي ارتبطت تاريخياً بالأذان ونشر العلم.

يُعدّ الجامع أيضاً ثمرة تعاون دولي. بحسب مركز جامع الشيخ زايد الكبير، فقد جمع تصميم وبناء الجامع بين الحرفيين والخبراء والمواد من دول من بينها إيطاليا وألمانيا والمغرب والهند وتركيا والصين والمملكة المتحدة ونيوزيلندا واليونان والإمارات العربية المتحدة. وساهم في بنائه أكثر من 3000 عامل و 38 شركة مقاولات.

 

الخصائص الخارجية والداخلية

يتميز المسجد من الخارج بتناسقه وعظمته. تغطي أكثر من 165,000 متر مربع من رخام سيفيك اللامع من شمال مقدونيا الأسطح الخارجية للقباب والمآذن والجدران. وقد تم اختيار هذا الرخام لجودته ولونه الأبيض الناصع، الذي يرمز في المركز إلى النقاء والسلام. ويأتي معظم الرخام الأبيض المستخدم داخل المسجد من محاجر إيطالية.

يُضفي الفناء على المبنى مركزه المفتوح الفسيح. ويُستخدم خلال الصلوات الكبرى وصلاة العيد وتجمعات رمضان، وهو مُرصع بمئات الآلاف من قطع الفسيفساء الرخامية من إيطاليا والهند واليونان والصين. ويُضفي التصميم الزهري رقةً على المساحة الشاسعة، مُخففاً من ضخامة المسجد من خلال اللون والإيقاع والتفاصيل.

تحيط بالمسجد عشر أحواض عاكسة مستطيلة الشكل، تُضفي لمسةً هادئة على هندسته المعمارية. تُغطي المسابح المبلطة بدرجات مُختلفة من اللون الأزرق، مساحةً تُقارب 7000 متر مربع من الماء، مُلطّفةً بريق الرخام الأبيض اللامع، ومُضفيةً عمقاً على المنظر، لا سيما في الليل.

أما في الداخل، يدخل الضوء من خلال النوافذ الموجودة في قاعدة القباب، بينما تتميز جدران القباب الداخلية بأعمال فنية مغربية تقليدية مصنوعة من الجص المُقوى، ومُزينة بآيات قرآنية بأنماط خطوط مختلفة، منها النسخ والثلث والكوفي.

 

الفن والزخرفة

تتجلى براعة المسجد في دقة التفاصيل التي تُجسدها الأحجار والسجاد والزجاج والمعادن. وتُزين أروقته الخارجية أعمدة رخامية مرصعة بنقوش نباتية باستخدام الأحجار شبه الكريمة. يستوحي التصميم شكله من نخلة التمر، بتيجان ذهبية تُشبه سعفها، مما يُرسخ صلة وثيقة بين الفن الزخرفي الإسلامي والرمزية الطبيعية للمنطقة.

في قاعة الصلاة الرئيسية، تُعد السجادة من أبرز معالم المسجد. فقد دخلت موسوعة غينيس للأرقام القياسية عام 2007 كأكبر سجادة معقودة يدوياً في العالم، إذ تغطي مساحة 5400 متر مربع و تزن 35 طناً. وقد عمل عليها نحو 1200 حرفي، واستغرقت العملية عامين تقريباً، شملت التصميم والعقد والتجميع. صُنعت السجادة من تسع قطع منفصلة، ​​نُقلت جواً إلى أبوظبي، ثم خيطت معاً في الموقع.

كما يخدم التصميم غرضاً عملياً، حيث تم إنشاء صفوف الصلاة المرتفعة عن طريق قص أجزاء من السجادة وترك 32 صفاً مرتفعاً في قاعة الصلاة الرئيسية، مما يسمح للمصلين بالوقوف في صفوف منتظمة دون التأثير على التصميم الزخرفي العام.

فوق السجادة، تُضفي سبع ثريات لمسة فنية رائعة. أكبرها الموجودة في قاعة الصلاة الرئيسية، يبلغ قطرها 12 متر، وارتفاعها 15.5 متر، وتضم 15500 مصباح إل إي دي. صُنعت الثريات من الفولاذ المقاوم للصدأ المطلي بذهب عيار 24 قيراطاً، ورُصعت بكريستالات سواروفسكي، مع استخدام عناصر كريستالية خضراء وحمراء وصفراء في تصميمها.

 

الضوء، والتناسق، والمعنى الروحي

يُعد الضوء أحد أكثر العناصر تعبيراً في المسجد، ففي النهار يتحرك الضوء على الرخام والقباب والماء، وفي الليل يُضفي نظام الإضاءة القمرية على الواجهة الخارجية حضوراً مختلفاً، يعكس أطوار القمر طوال الشهر الهجري. وتُسقط غيوم زرقاء رمادية ناعمة على أسطح الرخام الأبيض، وتزداد الإضاءة سطوعاً مع اقتراب القمر من البدر. ويساهم في خلق هذا التأثير أكثر من 840 وحدة إضاءة و22 برجاً ضوئياً.

يُشكل جدار القبلة المحور الروحي للمسجد من الداخل. وهو مُكسو برخام أكوابيانكا وبيانكو بي الإيطالي، ويواجه مكة المكرمة، ويحمل أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين مكتوبة بالخط الكوفي للخطاط الإماراتي محمد مندي التميمي. ويُضاء الجدار بإضاءة خفيفة من الألياف الضوئية، وقد تم اختيار ألوانه الهادئة بعناية حتى لا تُشتت انتباه المصلين أثناء الصلاة.

يُعد هذا التوازن عنصراً أساسياً في طابع المسجد. فالزخرفة حاضرة في كل مكان، لكنها تظل مُوجهة نحو الغاية التي صممت من أجلها. تساهم الأعمدة المزخرفة بالزهور، والفناء الرخامي، والخط العربي، والثريات، والبرك في خلق لغة بصرية متجذرة في النظام والتأمل والتبجيل.

 

زيارة جامع الشيخ زايد الكبير: الثقافة، والآداب، وتجربة الزائر

تُعد زيارة جامع الشيخ زايد الكبير تجربة ثقافية ومعمارية فريدة. يُقدم مركز جامع الشيخ زايد الكبير جولات ثقافية مجانية تُعرف الزوار بتصميم الجامع، وتاريخ بنائه، ودوره في تعزيز التعايش والتسامح. كما تشمل التجربة زيارة متحف النور والسلام، حيث يُعرض التراث الثقافي الإسلامي من خلال قطع أثرية وأعمال فنية وعروض تفاعلية تُسلط الضوء على الإيمان، والإلهام، والسلام، والتبادل الثقافي.

بما أن الجامع لا يزال مكاناً للعبادة، يُتوقع من الزوار احترام حرمة المكان. يُشترط ارتداء ملابس محتشمة، على النساء ارتداء ملابس فضفاضة تصل إلى الكاحلين، وأكمام تصل إلى الرسغين، وتغطية الشعر بالكامل، بينما على الرجال ارتداء ملابس تُغطي الساقين، وتجنب الملابس بلا أكمام، أو الضيقة، أو الشفافة. يجب وضع الهواتف المحمولة على الوضع الصامت، والتحلي بالهدوء والاحترام، ويُمنع إدخال الطعام والشراب، باستثناء الماء.

تكون ساعات الزيارة المعتادة من الساعة 9:00 صباحاً إلى 9:00 مساءً، من الاثنين إلى الأحد، مع تعديل ساعات الزيارة يوم الجمعة من الساعة 9:00 صباحاً إلى 12:00 ظهراً ومن الساعة 2:30 ظهراً إلى 9:00 مساءً. آخر موعد للدخول عادةً ما يكون قبل 30 دقيقة من الإغلاق.

قد تتغير المواعيد خلال شهر رمضان، أو العطلات الرسمية، أو المناسبات الدينية الخاصة، لذا يُنصح الزوار بالاطلاع على الموقع الإلكتروني الرسمي لمركز جامع الشيخ زايد الكبير قبل التخطيط لزيارته.